منتدى الشهيد قصي الافندي

منتدى الشهيد الشبل البطل قصي سليمان الافندي رحمه الله
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفلسفة السياسية الجديدة في (أشجان وأوزان الهوية العراقية )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
marcel
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar

عدد الرسائل : 135
العمر : 24
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

مُساهمةموضوع: الفلسفة السياسية الجديدة في (أشجان وأوزان الهوية العراقية )   2008-02-27, 09:23

يمكن النظر إلى ما يكتبه البروفيسور ميثم الجنابي وحصيلة إبداعه الفلسفي على أنه ظاهرة فكرية لها كيانها الخاص والمتميز من حيث الشكل والمضمون والمنهج والغاية. وهي ظاهرة نرى أنها سوف تشكل موضوعا للجدل والتحليل مع مرور الزمن، أي حالما يرتقي الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي الى مصاف الحد القادر على رؤية الأبعاد الجديدة والعميقة في مؤلفاته المختلفة التي يقدم فيها رؤية نوعية جديدة، تجعل مما يكتبه" مدرسة "فلسفية ترتقي في أغلب مكوناتها إلى مصاف المدرسة الفلسفية العربية الأصيلة والعالمية الكبرى، وتستعيد- بعد قرون من الانقطاع الثقافي- فكرة المنظومة الفلسفية العربية الخاصة.


وأول مايسترعي الإنتباه في المؤلفات الفلسفية والسياسية للجنابي هو تحديه المرير لفكرة التقليد وتهافت الفكر المتملق والعائش على فتات الإبداع ، وأيضا في محاولتة إيقاف "تهافت الفلاسفة" الذين أطلق عليهم الفارابي يوما عبارة "الفلاسفة المزيفين" أي الفاقدين للأصالة والإبداع الحر، دون أن يضعه ذلك في موقف المعارضة للفكر العالمي الإنساني.
فالثقافة ليست منطقا ولا بديهية بل معاناة الأمم في كيفية حلها لإشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والمجتمع والدولة ، كما يقول الجنابي . وهو الموقف الذي يمكن رؤيته في سلسلة كتبه السياسية التي خصصها في السنوات الأخيرة لحالة العراق، بوصفه الساحة النموذجية لتأسيس فلسفته السياسية القومية، أي فلسفة القومية العربية الجديدة . وهي فلسفة يمكن تلمس الكثير من جوانبها النظرية والعملية فيما يدعوه بفكرة "الزمن" و"التاريخ". بمعنى محاولته تذليل نفسية وذهنية الزمن العابر عبر تأسيس تلقائية التاريخ الذاتي للأمة العربية. وهي الفكرة التي يمكن رؤية ملامحها الدقيقة في كتبه الأخيرة التي يتناول فيها فكرة "المستقبل" العراقي، وهي (العراق ومعاصرة المستقبل-دار المدى2005) و(العراق ورهان المستقبل-دار المدى2006). أما كتابه الأخير (أشجان وأوزان الهوية العراقية- دار ميزوبوتاميا 2007)، فيمكن اعتباره احد النماذج الفكرية والعملية الرفيعة لفلسفته السياسية التي يمكن رؤية ملامحها العامة في المقدمة التي يقول فيها، بان الإشكالية التي يواجهها العراق (واقرأ أيضا العالم العربي) تقوم في تحول "ماضيه ومستقبله إلى مجهول، بحيث أصبح موضوعا للشكوك الجاهلة واليقين الأشد جهلا!" وهي حالة وجد فيها الجنابي نتاجا لما اسماه بالجهل المطبق بحقيقة العراق بوصفه واهب الحياة الفعلي والوحيد لكل من فيه، أي لكل من تعتمل في أعماقه شعلة الحياة بوصفها نار الوجود.

من هنا رقة ودقة الأمل فيما يتناوله الجنابي من إشكاليات تبدو للوعي السياسي المسطح "عقوبة" القدر أو طريق مسدود. وإذا كان من الممكن العثور على أشياء من هذا القبيل في مواقف الجنابي، فإنها تنطلق من واقعية "القدر السياسي" والقومي وليس اللاهوتي الديني. بمعنى تشديده على ضرورة رجوع الفكرة العربية القومية إلى مصادرها الذاتية أو مرجعيتها الثقافية الخاصة.و من هنا، ازدراؤه الواضح والشديد لفكرة وممارسة "الأقلية" ولعقلية الغنيمة والثأر، التي ارتطبت بها –كما يرى- أسباب انحطاط العراق (السابقة والراهنة) والتي جسدتها بصورة نموذجية( سابقا وراهنا) مختلف القوى الهامشية من طائفية أو عرقية أو غيرها.
ذلك يعني إننا نقف أمام فلسفة سياسية مهمتها ليس النقد السياسي الإيديولوجي للقوى والأحزاب فحسب، بل وتأسيس الفكرة القومية انطلاقا من تاريخها الذاتي. فما يشغل هموم الفلسفة السياسية للجنابي هو مستقبل العراق ( والعالم العربي) وليس الحالة العابرة. وهي هموم تتحسس وتعقل وتدرك ظاهرة الانحطاط الحالية وأسبابها الفعلية. من هنا فكرته عن أن "تفكيك الكلّ الوطني في العراق هو نتاج الزمن التوتاليتاري والراديكالي. وفيهما ينبغي البحث أولا وقبل كل شيء عن مقدمات الاحتلال الأمريكي وقدرته الهائلة على تفعيل منظومة التفكك الوطني. وهي المقدمة التي وضعها في نقده لحالة العراق الراهنة وآفاق البدائل. فهو ينطلق مما يدعوه بتلاشي التاريخ السياسي العراقي للأحزاب والقوى الاجتماعية عبر اندفاعها المغترب وراء المشروع الأمريكي والقبول "بالمشاركة الفعالة" في إرساء أسس "ديمقراطية العبيد". بمعنى اصطفافها بوعي أو دون وعي في مسار الابتعاد الفعلي عن حقيقة العراق ومرجعيات وجوده التاريخي والثقافي. وهذه الحصيلة أدت كما يقول الجنابي "إلى نفث سموم الخطيئة ( أي خطيئة التجزئة والتفكك والانهماك فيها)، بوصفها أسلوب الاستحواذ الجديد.وهذا يفترض بمختلف القوى الوطنية التحصن من سمومها. وليس المقصود بالتحصن هنا سوى "الوجه العملي للقوة الذاتية الكامنة في تكامل العراق التاريخي بوصفه هوية ثقافية". وذلك لان "الخروج عليها يؤدي بالضرورة إلى الخروج على منطق تاريخه الذاتي" كما يقول. وهي القضية التي شكلت محور البحث الفلسفي والتاريخي والسياسي والثقافي المستفيض للكتاب.
إن تحول إشكالية الهوية الى إشكالية الكتاب ينبع من فلسفة الجنابي عن الهوية. وهي فلسفة لها أبعاد المنظومة الفكرية المتجانسة والكاملة. وإذا كان مظهرها الخارجي يبدأ بالنقد اللاذع والعنيف لمختلف ظواهر التجزئة (القومية والعرقية والطائفية والجهوية وغيرها)، فان مضمونها الحقيقي يقوم في محاولة إرساء أسس الرؤية الفلسفية لإشكاليات الهوية القومية والثقافية للعراق عبر تتبع مقدمات تحللها وانهيارها. فهي المقدمة الفكرية النقدية التي تشكل منطلق البديل العقلاني لفلسفة الجنابي بهذا الصدد. من هنا نراه يحلل وينتقد بصورة أخاذة ما يدعوه بزمن التوتاليتارية والدكتاتورية السابقة وأثرها بالنسبة لترسيخ آلية وحالة المؤقت. وهي حالة تجتر الزمن وتدهس براعم التراكم وتقتل الاحتراف وتهشم التقاليد الضرورية بالنسبة لفكرة المؤسسة وفكرة الاحتمال والبدائل. وهي الحالة التي يمكن رؤية ملامحها في صعود النخب "الطارئة" وحالة الابتذال المقززة للعقل والضمير من خلال صعود ما يدعوه الجنابي بنفسية وذهنية الأقلية و"ثقافة" الابتزاز والغنيمة والمؤامرة والمقامرة. وهي حالة لا يمكنها العيش طويلا. وهي النتيجة المتفائلة التي تشكل محور البدائل في فلسفة الهوية الوطنية للجنابي. بمعنى انه يضعنا أمام فكرته القائلة، بان جعل الوقائع المنحطة "حقائق" لا يصنع حقيقة. ففيها تكمن عناصر الانحراف والخروج على مرجعيات العراق التاريخية والثقافية. ومن ثم ففيها تكمن بالتالي مقدمات الانقراض والزوال. وهي فكرة وضعها في عبارات دقيقة تقول "أن المشاريع الأجنبية تبقى غريبة مهما كانت نواياها وغاياتها. كما أن القوى الجزئية من أقليات قومية أو طائفية أو هامشية اجتماعية وسياسية، لا تصنع غير التجزئة والعيش بمعاييرها. فهو أسلوب "ازدهارها" الوحيد. لكنه "ازدهار" سريع الزوال لأنه يتعارض مع حقيقة الهوية العراقية بوصفها هوية تاريخية ثقافية".
وقد وضع الجنابي أفكاره هذه في مقدمة تحليل إشكالية الهوية العراقية. حيث نراه يحلل ما اسماها بهوية الاحتلال وتحلل الهوية. وهي معادلة تتبع مختلف جوانبها ومستوياتها التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية من خلال دراسة وتحليل أيديولوجية الاحتلال الأمريكي وهوية الانحطاط العراقي، وقضايا التوتاليتارية والدكتاتورية وتخريب الكلّ العراقي، وصعود نفسية وذهنية المؤقت، وأخيرا مظاهر وآليات تفعيل الطائفية السياسية والقومية العرقية ومعالم الانحطاط الشامل للهوية الوطنية.
***
فهو ينطلق من المقدمة العامة القائلة، بان "تأمل تجارب التاريخ فيما يتعلق بمقدمات الاحتلال الخارجي للدول والأمم، يكشف عن أن الاحتلال الخارجي هو استمرار للاحتلال الداخلي، أو الوجه الآخر له ولكن بقوة خارجية. ولكل مرحلة تاريخية نمطها الخاص في الاحتلال وتبريره". وقد وضع هذه المقدمة في أساس تحليله للاحتلال الأمريكي للعراق وأثره بالنسبة لتفعيل وصعود "منظومة" التحلل العام للفكرة الوطنية والهوية العراقية، ليستنتج بعد ذلك ، بأن "تفكيك الهوية الوطنية هو أولا وقبل كل شيء فعل ذاتي". وهو السبب الذي جعل من الغزو أمرا "مقبولا"، بل و"تحريرا "بالنسبة لأغلبية المعارضة "الديمقراطية" و"الثورية" و"الوطنية" " و"الإسلامية" وغيرها!! . بمعنى إننا نقف أمام اغتراب شبه شامل وتجزئة فعلية بين الدولة والسلطة، والمجتمع والسلطة، والعراق ومكوناته، أي نقف أمام عراق بلا دولة فعلية ولا امة تناسبها. وهو الأمر الذي جعل من رذيلة التجزئة "حقيقة سياسية". وحالما تصبح الرذيلة "حقيقة" وليس مجرد واقع ، فان ذلك يعني بلوغ التجزئة حالة "المنظومة" الفاعلة في كافة نواحي الحياة وعلى مختلف مستوياتها. وهي حالة حالما تستقل بفاعليتها الخاصة في بلورة المواقف والقيم (السياسية والأخلاقية) عند الأفراد والجماعات والمجتمع، فإنها تفرض بظلالها على الجميع وتجعل من الضلال دليلا على الواقع". وهو الاستنتاج الذي يمكن تتبع مختلف حيثياته في تحليل ونقد التاريخ الفعلي للعراق على مستوى الفكر والسياسة والثقافة. وهو نقد يرتقي بحد ذاته إلى مستوى المدرسة الفكرية المثيرة. إذ إننا نادرا ما نعثر، في الفكر السياسي العربي المعاصر على طريقة ومستوى يمكنها الارتقاء الى أصالة الفكرة والعبارة والمنطق المميزة لمنظومة الجنابي الفلسفية في النقد والتحليل والنتائج.
إن نقد الواقع لا يتسم بالتعقيد، خصوصا حالما يكون الواقع بهذا القدر من الانحطاط والتخلف. فالانحطاط الكبير يجعل من الاعوجاج والخلل أمورا جلية. إلا أن نقد الجنابي للواقع لا يقف عند هذه الحدود، بل أنها لا تشكل بالنسبة له قيمة كبرى لأنها جلية للعيان والأذهان. انه يتناول إشكاليات الهوية من خلال فلسفته التاريخية الثقافية. بمعنى التركيز على إشكالية الهوية (الوطنية والعربية) من خلال نقد مقدماتها الكامنة فيما يدعوه بخلل الأوزان الداخلية للدولة والمجتمع والفكر والسياسة. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة العملية لفلسفة البحث عن الهوية، بوصفها جزء مما يدعوه الجنابي بفلسفة المرجعيات الثقافية. وهي فلسفة نعثر على مختلف مستوياتها في أبحاثه العديدة وكتبه الفلسفية الكبرى. وإذا كانت كتبه الفلسفية الكبرى عادة ما تبقى ضمن عالم "الميتافيزيقا الفلسفية المتسامية"، بمعنى أن إدراكها يفترض بالمرء أن يكون على قدر كبير من المعرفة الفلسفية من اجل رؤية ملامحها الخفية، فان كتبه السياسية الأخيرة تجعلها اقرب الى عقول المثقفين وضمائر المتعلمين وإحساس الجمهور.
وليس مصادفة أن نراه يسرع في نقده للواقع الحالي والحركات السياسية ومستوى انحطاطها المعنوي والفكري والاجتماعي، و"يتباطأ" في تحليل وتأسيس ما يدعوه بفكرة "البدائل الثقافية" لإشكالية الهوية. انه يريد القول، بان سر المأساة في انعدام الرؤية الفلسفية للمشاريع السياسية. وهو سر الاغتراب والانحطاط المميز لإشكاليات الهوية الوطنية والقومية. وهو الترابط الذي يضعه الجنابي في فكرة اقرب ما تكون الى مشروع فكري سياسي وعملي واقعي ومستقبلي بالقدر نفسه. وهو الشيء الذي نلمحه في احد استنتاجاته بهذا الصدد عندما يقول "إن نجاح أي مشروع كبير هو أولا وقبل كل شيء نتاج لتراكم الرؤية الواقعية عن طبيعة وحجم الإشكاليات التي تواجهها الأمة والدولة. وفي الحالة المعنية يفترض "العيش المشترك" في العراق تفعيل الهوية الوطنية العراقية بوصفها مرجعية العيش المشترك، أي تحقيقها العملي من خلال صياغة الأوزان الضرورية للهوية العربية والإسلامية للعراق وللهويات الجزئية الأخرى المكونة له، ووضع هذه المهمة العملية في أساس ما دعاه بضرورة "رجوع العراق إلى ذاته"، الذي يفترض بدوره "الرجوع إلى مكوناته الجوهرية عبر صياغة مشروع عملي للمعاصرة والعيش برهاناته".
فمستقبل العراق ووحدته المتجانسة وإخراج الدولة من أزمتها البنيوية الشاملة هو الرهان التاريخي الأكبر لقواه الاجتماعية الوطنية، كما يقول الجنابي. وعندما وضع هذه المهمة على أرضية الواقع الحالي بعد تجربة أربع سنوات من الاحتلال ، فانه توصل الى أن البديل العراقي يفترض صياغة:
 رؤية واقعية وعقلانية عن وحدة وتجانس القومي والوطني في العراق من اجل تكامل الجميع في بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع( المدني)،
 تحديد ماهية الدولة الشرعية أو الدولة البديلة، بوصفها المقدمة الضرورية والضمانة الفعلية لطبيعة ومجرى التطور اللاحق،
 بناء الأوزان الداخلية للسلطة والمجتمع عبر صياغة الرؤية العامة للفكرة الليبرالية في العراق، بوصفها أيديولوجية الوحدة المرنة للحرية والنظام، والديني والدنيوي،
 المسؤلية التاريخية والأخلاقية للنخب العامة والسياسية بشكل خاص، عبر ارتقائها إلى مصاف الإدراك الفعلي لمنظومة المبادئ المكونة لفكرة المرجعية الوطنية العراقية، بوصفها هوية المستقبل أيضا.
وهي المكونات النظرية والعملية للبديل العراقي التي تناولها الجنابي بإسهاب منظم من خلال تأسيس مايسميه" فلسفة الهوية العراقية ومرجعية الإصلاح الثقافي". وهي فلسفة تنطلق من تأمل تاريخ وتجارب الأمم. "فالتاريخ لا يعرف قانونا صارما، ولكنه قادر على البرهنة الدائمة على أن الخروج على الحكمة السياسية يؤدي بالضرورة إلى "الجحيم". وليس هناك من جحيم بالمعنى التاريخي والسياسي والأخلاقي أقسى من جحيم الانحطاط والتفكك الوطني، مع ما يترتب عليه من حتمية مختلف أشكال الصراع والحروب غير العقلانية". من هنا يقين الجنابي بحتمية سقوط المشاريع الجزئية (الطائفية والعرقية) والخارجية (الاحتلال). فالأولى مقيدة ومحاصرة وجزئية. بينما الثانية غريبة ومغتربة عن التاريخ الذاتي للعراق والعالم العربي. أنها غريبة ومغتربة بالمعنى الفعلي والسياسي والثقافي، والاهم من ذلك بالمعنى المستقبلي. وهو الشيء الذي يمكن رؤيته في استنتاجه القائل بان حتمية "فشل المشروع الأمريكي في العراق ليس نتاجا لسوء فهم وتقدير أو عدم دراية وجهل وغيرها، بقدر ما انه الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. إن حقيقة البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل. وهو أفق لا علاقة للقوى الأجنبية به إلا بالقدر الذي يستجيب لمصالح العراق الآنية والبعيدة المدى. بمعنى أن الحوافز الدفينة محكومة بتاريخ خاص. فالمشروع الأمريكي محكوم بمصالحه ومرجعياته. والشيء نفسه عن المشروع العراقي. وحتمية فشل المشروع الأمريكي في العراق هو النتاج الطبيعي لهذا الاختلاف والتباين".
وهنا يمكن العثور على "مفارقة ومأساة التاريخ الحديث للعراق، التي يقوم فحواها في كون العراق هو "صانع فكرة التاريخ ومفتقدها في نفس الوقت!". وهي مفارقة تشكل العصب غير المرئي لتوتره العنيف وفقدانه القدرة على تأمل ما فيه، كما يقول الجنابي. وبالتالي، فإذا كانت "هذه الفكرة جلية بمقاييس المنطق وعصية بمعايير المواقف والأفعال السياسية، فان ذلك دليل على وجود خلل في منطق القوى المتصارعة وسلوكها العملي". ومن هنا يضع الجنابي السؤال البسيط والأعمق وهو: لماذا لم ينعم العراق بالاستقرار بعد قرن من تأسيس الدولة والأمة؟ أما الإجابة فإنها بسيطة على قدر السؤال، وهي أن الاستقرار يفترض التوازن، أي توازن الدولة والمجتمع والثقافة. وهو توازن ممكن فقط في ظل سيادة مرجعية الحرية والنظام. فهي الوحيدة القادرة على صنع توازن ديناميكي، ومن ثم الوحيدة القادرة على صنع الحكمة التاريخية بوصفها عملية متراكمة من الاحتراف والكفاءة المحكومة بنظام شرعي متكامل. بينما لم يكن تاريخ العراق في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين أكثر من تجارب مرة ومريرة للراديكالية السياسية، أي للتجريب الخشن في عدائه واحتقاره لفكرة التراكم التاريخي". وهو الاستنتاج الذي يتوسع الجنابي في تحليل مختلف مستوياته لكي يوصلنا في نهاية المطاف الى ما يمكن دعوته بفلسفة البدائل العملية المبنية على فكرة (فلسفة الاستعراق) أو الهوية الوطنية العراقية، وفلسفة الأوزان الداخلية للدولة والمجتمع والثقافة. ومنهما ترتسم ملامح المشروع النظري والعملي الذي يبرز "أشجان الهوية" و"أوزانها البديلة. وهو المشروع الذي يمكن قراءة مكوناته في مشروع الجنابي وتأسيسه للأوزان الداخلية الضرورية لاستقرار وديناميكية العراق.
إن الاستعراض أعلاه لكتاب الجنابي يبقى في نهاية المطاف مجرد اقتباس مكثف مهمته إبراز ما في (أشجان وأوزان الهوية الوطنية) من قيمة نظرية وعملية بالنسبة لفكرة البديل الديمقراطي والقومي بالنسبة لمستقبل العراق والعالم العربي أيضا. بمعنى أن المهمة لم تكن في تحليل كل ما فيه، لان كل عبارة ومقطع فيه هي فكرة بحد ذاتها. من هنا قيمة الكتاب أيضا بالنسبة للثقافة الفلسفية السياسية ومنهج النقد والتفكير والتحليل وصوغ البدائل. انه ينقلنا الى عالم الحرية المتسامية والهموم الواقعية والتاريخية الكبرى للعراق والعالم العربي. من هنا قيمته الآنية والمستقبلية. انه يؤسس للبديل الثقافي العربي، ويضعنا دوما في لجة الحياة، كما يعطي لنا إمكانية الاستماع الى أشجانها والاستمتاع بما فيها ، من أنغام هي رنين المستقبل. وهي الحالة المفارقة التي تتولد في الأعماق حالما ينتهي المرء من قراءة (أشجان وأوزان الهوية العراقية). ولا غرابة في الأمر! فالغرابة فقط عندما لا يحس المرء بذلك! وهي الخاتمة الملازمة لكل ما يدعوه ميثم الجنابي "بإبداع الأبد"!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.qusai.yoo7.com
webmaster
المدير
المدير
avatar

عدد الرسائل : 368
العمر : 23
تاريخ التسجيل : 09/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: الفلسفة السياسية الجديدة في (أشجان وأوزان الهوية العراقية )   2008-02-27, 11:41


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://qusai.yoo7.com
سوار
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد الرسائل : 2171
العمر : 23
تاريخ التسجيل : 23/03/2009

مُساهمةموضوع: رد: الفلسفة السياسية الجديدة في (أشجان وأوزان الهوية العراقية )   2009-06-18, 18:17

يسلمو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الفلسفة السياسية الجديدة في (أشجان وأوزان الهوية العراقية )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشهيد قصي الافندي :: المنتديات العامة :: المنتدى العام-
انتقل الى: